تسريح ألف عامل.. حين تتحول "إعادة الهيكلة" إلى تفكيك ذراع الإغاثة الأمريكية
تسريح ألف عامل.. حين تتحول "إعادة الهيكلة" إلى تفكيك ذراع الإغاثة الأمريكية
كشف قرارٌ داخليٌ في الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ الأمريكية (FEMA) عن استعدادٍ لإلغاء ألف وظيفة خلال الشهر الجاري، في خطوةٍ تمثل حلقةً من خطة إعادة هيكلة تقودها وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، وسط تحذيرات من أن تقليص الكوادر قد ينعكس مباشرةً على حق المجتمعات في الحماية والاستجابة العادلة للكوارث، وفق ما نقلته "نيويورك تايمز" عن ثلاثة مصادر مطلعة على المناقشات داخل الوكالة.
وتؤكد الصحيفة أن التسريح المرتقب سيطول أساسًا موظفين متعاقدين تنتهي عقودهم هذا الشهر، وهي عقود تمتد عادةً لسنتين أو أربع سنوات، وينتمي معظمهم إلى برنامج “كوادر الاستجابة/التعافي عند الطلب” (CORE)، الذين يسهلون عمليات التعافي من الكوارث والاستعداد للطوارئ في المجتمعات المحلية.
وشكل هؤلاء الموظفون تاريخيًا ما يقرب من 40% من القوى العاملة في الوكالة، وهو رقمٌ يبرز حجم الدور الذي يؤديه هذا النوع من التوظيف المؤقت في تشغيل FEMA كجهازٍ فيدرالي مرن.
وتُصعد احتمالات التسريح مخاوف الموظفين من موجة أوسع لاحقًا، بعدما كشفت وثيقةٌ تخطيطية حصلت عليها الصحيفة عن احتمال فصل أكثر من 11500 شخص من قوة عاملة تبلغ نحو 23 ألف موظف، وهي وثيقة قالت عنها المتحدث باسم الوكالة دانيال لارغيس إنها "إجراء روتيني لتخطيط القوى العاملة قبل اتخاذ القرار" وإنه لا توجد "خطة لخفض القوى العاملة بنسبة محددة".
يعزز هذا التباين بين وثيقة التخطيط والتصريحات الرسمية حالة عدم اليقين، خاصةً في وكالة تتطلب طبيعتها استقرارًا مؤسسيًا مع قدرة على التوسع السريع عند وقوع الكوارث.
الاستعداد للكوارث والاستجابة لها
تضع تقارير "نيويورك تايمز" جانبًا قانونيًا مباشرًا في قلب الأزمة: يحظر القانون الفيدرالي الذي سن بعد إعصار كاترينا عام 2005 على وزير الأمن الداخلي تقليص قدرة FEMA على أداء مهمتها في الاستعداد للكوارث والاستجابة لها وقيادة التعافي منها بصورة كبيرة.
وعبر عدد من الموظفين عن قلقهم من تورط وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم بشكلٍ "كبير" في تغييرات القوى العاملة، بما يوحي بأن قرار التسريح ليس مجرد تعديل إداري بل خطوة قد تقاس بمعيار قانوني يرتبط بسلامة مهمة الوكالة الأساسية.
وتكشف رسائل بريد إلكتروني اطلعت عليها الصحيفة أن مسؤولي الوكالة لم يعودوا قادرين منذ نهاية عام 2025 على تجديد عقود موظفي CORE دون موافقة الوزيرة، وأن نموذجًا خاصًا لتجديد العقود يتضمن خانة توقيع مكتب وزيرة الأمن الداخلي، تظهر هذه التفاصيل حجم المركزية المستجدة في القرار، وتطرح سؤالًا حقوقيًا حول مدى استقلال الوكالة ومرونة اتخاذ القرار في سياق يفترض قانونيًا أن تمنح FEMA قدرة على الاستجابة دون قيود سياسية أو بيروقراطية تقوض سرعة عملها.
يبرر المتحدث باسم الوكالة دانيال لارغيس تلك الوظائف بأنها "مؤقتة المدة" وتتغير بحسب نشاط الكوارث والاحتياجات التشغيلية والتمويل المتاح، لكن يأتي هذا التبرير في وقتٍ تشير فيه الصحيفة إلى أن التعافي من كوارث حديثة، مثل حرائق لوس أنجلوس في يناير الماضي وإعصار هيلين عام 2024، لا يزال يتطلب موارد فيدرالية تصل إلى المجتمعات "ببطء" أو "تحجب تمامًا"، ما يجعل تقليص العاملين في قلب برامج التعافي مسألة تتجاوز "التمويل" إلى سؤالٍ عن حق المتضررين في سرعة الإغاثة ومساواة الوصول إلى الدعم.
ينتقد مسؤولون سابقون ومعارضون لنهج إدارة ترامب في الاستجابة للكوارث فكرة التخفيضات بوصفها خطرًا مباشرًا، يقول المسؤول السابق في FEMA وعضو المجلس الاستشاري لمجموعة مناصرة تدعى "تخريب سلامتنا" رافائيل لومتر: "لا يمكن تقليص دور الوكالة المسؤولة عن الاستجابة للكوارث بشكل كبير، ثم يتوقع منها أن تعمل بكامل طاقتها عند وقوع إعصار أو حريق غابات أو فيضان آخر".
خسائر متراكمة
ترصد نيويورك تايمز أن FEMA فقدت موظفين بصورة "ملحوظة" خلال السنة الأولى من ولاية إدارة ترامب بسبب التسريح والتقاعد المبكر، وأن تقارير العمليات اليومية تظهر انخفاض القوى العاملة بأكثر من 20% مقارنةً بالعام السابق: من نحو 29 ألف موظف إلى 23 ألفًا.
تبرز هذه الأرقام أن الحديث لا يدور فقط عن "ألف وظيفة" جديدة، بل عن مسار متسارع من تقلص الموارد البشرية في وكالةٍ وظيفتها الأساسية حماية الأرواح والممتلكات عند وقوع الكوارث.
يحلل أستاذ القانون في جامعة جورج واشنطن والمستشار القانوني العام السابق لـFEMA في عهد الرئيس بيل كلينتون إرنست أبوت دور موظفي CORE بوصفهم "مصدر المرونة" الذي يساعد الوكالة على التكيف مع الاحتياجات المتغيرة في الإغاثة والتعافي طويل الأمد.
يشير أبوت إلى أن CORE شكلوا 39% من القوى العاملة حتى عام 2022 وفقًا لمكتب محاسبة الحكومة، وأن البرنامج يسمح بتوظيف الموظفين ونقلهم بين الأقسام دون القيود الصارمة لقواعد الخدمة المدنية التقليدية، قبل أن يختصر فلسفة البرنامج في عبارة: "كان الهدف الأساسي هو وجود وكالة تتمتع بالمرونة وقادرة على زيادة أو تقليل حجم عملياتها تبعًا للأحداث".
يتقاطع هذا التحليل مع ما أوردته "واشنطن بوست" حول أن خسائر الموظفين ستؤثر على ضحايا الكوارث الذين يسعون للحصول على مساعدات مالية فردية، وعلى المجتمعات الريفية والقبلية التي تحاول تعزيز بنيتها التحتية، وعلى البلدات التي تسعى للحصول على منح كبيرة لإعادة البناء.
تنقل الصحيفة عن تسعة مسؤولين حاليين وسابقين أن التخفيضات تطال مسارات الدعم الأكثر التصاقًا بالمواطنين، لا سيما أولئك الذين يواجهون بالفعل صعوبات في الوصول إلى التمويل والتعويضات.
وتصف "واشنطن بوست" كيف بدأت عمليات التسريح الجماعي خلال عطلة يوم الرؤساء، في موجة سماها موظفون في المنتديات "مذبحة عيد الحب"، وأظهرت رسائل اطلعت عليها الصحيفة أن المشرفين طلبوا من الموظفين سحب مستنداتهم من المواقع الداخلية وإرسالها إلى حساباتهم الشخصية للاحتفاظ بنسخ منها.
تظهر هذه التفاصيل مناخًا مؤسسيًا شديد الاضطراب، حيث لا يتعامل الموظفون مع قرارات تقليص عادية، بل مع واقع يدفعهم لحماية ملفاتهم ومعلوماتهم قبل فقدان الوصول إلى الأنظمة.
يعلن متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي، التي تشرف على FEMA، أن الإدارة تجري "تخفيضات وإصلاحات شاملة للقضاء على الهدر وعدم الكفاءة" وأنها تحدد الوظائف والمكاتب "التي تهدر الموارد ولا تحقق مهمة الوزارة".
يرسم هذا الخطاب السياسي إطارًا مختلفًا: تقليص الموارد بوصفه إصلاحًا ماليًا، في مقابل خطاب الموظفين والخبراء الذي يصفه كتهديد لجوهر مهمة الإغاثة.
100 كارثة وحالة طوارئ
توضح "واشنطن بوست" أن FEMA تستجيب بنشاط لأكثر من 100 كارثة وحالة طوارئ في أنحاء الولايات المتحدة، بينها إعصارا ميلتون وهيلين وحرائق لوس أنجلوس "التاريخية"، وتشرح أن كل حدث يتطلب عشرات العمال والمتعاقدين لتنسيق الاستجابة، والإشراف على إزالة الأنقاض، وتدريب السلطات المحلية والقبلية على التقدم لمنح وصرفها، ومساعدة المجتمعات على فهم البرامج الفيدرالية.
وتضيف أن تزايد الكوارث التي تصل كلفتها إلى مليارات الدولارات جعل موظفين يستجيبون لمدة قد تصل إلى 60 يومًا متواصلة، ما يعني أن خسارة مئات الموظفين تقلل القدرة على الاستجابة المتزامنة وتفتح الباب لتأخير معالجة عشرات الآلاف من الحالات.
تستعيد الصحيفة مثالًا من الخريف حين ضرب إعصارا هيلين وميلتون جنوب شرق البلاد تباعًا، واضطرت الوكالة إلى سحب موظفين من مناطق كوارث أخرى لدعم الاحتياجات العاجلة لملايين الأشخاص في ولايات مثل كارولاينا الشمالية وفلوريدا، تكشف أن احتياطي الوكالة كان محدودًا، ما دفعها للتوظيف، ثم بات فقدان الموظفين الآن عاملًا يعوق القدرة على إدارة أزمات متزامنة.
تبرز الصحيفة التأثير العملي على برامج الوقاية والتخفيف، مثل وحدة من سبعة أفراد ضمن برنامج منح "بناء بنية تحتية ومجتمعات مرنة "(BRIC) كانت تساعد حصريًا المجتمعات الصغيرة منخفضة الدخل في الحصول على منح لمشاريع كبرى للتخفيف من آثار الكوارث، وقدمت دعمًا لبلدة كريزفيلد بولاية ماريلاند لتعزيز قدرتها على مواجهة الفيضانات، يحذر موظف يعمل في مجال التخفيف من آثار الكوارث داخل FEMA من أن هذه المجتمعات ستبلغ بأن عليها تنفيذ مشاريعها "ذاتيًا"، وهو أمر غير ممكن عمليًا لمعظمها.
تحذّر كبيرة المتخصصين في مخاطر الكوارث والمناخ لدى منظمة الإغاثة والتنمية الأسقفية كاتي ميرز من أن نظام التعافي الأمريكي "يتطلب شريكًا قويًا: هو FEMA، وأن انخفاض قدرة الوكالة سيحول التنسيق والموارد إلى الولايات والحكومات المحلية والمنظمات غير الربحية التي "لا تستطيع" توفير الدعم الفني والتنسيقي الحالي.
يترجم هذا التحذير إلى معادلة حقوقية واضحة: تقليص وكالة الإغاثة الفيدرالية يضعف الضمانات المتاحة للفئات الأكثر هشاشة، ويعمق فجوة القدرة بين المناطق الغنية والفقيرة في مواجهة الكوارث.











